-->

هناء ترزي.. أول محامية مسيحية بفلسطين تترافع أمام المحاكم الشرعية الاسلامية

25 شباط/فبراير 2019 K2_ITEM_AUTHOR 
الرعد نيوز - وكالات
في مكتب أنيق، يعج بأكثر الألوان أناقة، الأسود، تجلس تلك المُحامية القديرة، التي تُخفي وراء ملامحها المميزة قصة تحدي وكفاح وصمود. هناء حنا ترزي، مُحامية من طرازٍ آخر، فكما تميزت بذوقها في مكتبها، وخلقت من الأسود ملك الألوان، أناقةً تخطف الأنظار، تميزت على صعيد مهنتها، وكافحت واجتهدت، لتكون أول مُحامية مسيحية تعمل كمُحامية شرعية على مستوى فلسطين وقد تكون الأولى في الوطن العربي، وأول سيدة مسيحية في قطاع غزة تفتح مكتب للخدمات القانونية. 

لم تبدأ قصة نجاح هناء من هنا، بل بدأت من كونها أول طالبة  مسيحية تدرس في جامعة الأزهر كلية حقوق، تقول هناء في حديثها لـ "دنيا الوطن" :"كانت فترة دراستي في الجامعة صعبة جدا وهي بداية الكفاحً، ودرست مواد الشريعة الإسلامية ولم تكن لدي مشكلة معها، بل وتفوقت بها". 

مارست هناء مُزاولة المهنة لأكثر من 5 سنوات، قبل أن تتخذ قرارها  لتحصل على  تخصص الشرعي  فما الذي دفعها لذلك؟!

مسيحية تترافع أمام المحاكم الشرعية!

 تقول هناء: "هناك الكثير من المجالات في المحاكم النظامية نرجع بها للأصول الإسلامية، مثل المواريث، كما أن المُحامي يجب أن يكون مُلماً في جميع المعلومات، فأنا كوني مسيحية فلسطينية، ثقافتي إسلامية عربية لدي مبدأ أساسي في حياتي، أستند أنا وأسرتي ونشأت وتربيت عليها، أنه لا يوجد تمييز".

 واستطردت هناء: "خاصة المُحامي، لا يجب أن يكون لديه تمييز، ويجب أن يكون لديه بحر من المعلومات، لأنه مهما تعلمنا سنبقى نقطة في بحر الموسوعة العلمية التي نعيش في منظومتها، حيث لا ينتهي العلم أبداً على كوكب الأرض".

 وأضافت: "كان هناك الكثير من الأشخاص يلجأون لي، ويحكون لي أسرارهم الخاصة، وهذا الشيء شجعني أن أدرس الشرع الإسلامي، وزادني رغبة ليكون هناك ثقة وأمانة، وفي نفس الوقت، الثقافة والعلوم لا تتوقف، وكل الديانات لها احترامها، ويجب أن يكون الإنسان مُلماً بجميع العلوم الدينية".

 خارج نطاق الأديان 

وتؤمن هناء أن أُفق الشخص لا يجب أن يتوقف عند حد مُعين، أو ديانة معينة: "أنا قد أقرأ أشياء خارج نطاق الديانات السماوية الثلاثة، لأنه قد يأتيني شخص من الصين، أو شخص يعتنق الديانة البوذية، ويعيش في فلسطين، ويريدني أن أترافع له، أو أساعده في إجراء بعض المعاملات الخارجية، فيجب أن أكون مُلمة، والمُحامي بشكل عام شخص مُلم يجمع بين الطبيب والمهندس، وكل شيء".


و تقدمت هناء بطلب لمزاولة الشرعي، وأخذت الموافقة من قبل رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي حسن الجوجو، وقالت: "أخذت موافقة بالدراسة من قبل فضيلة الشيخ الجوجو مشكوراً، ولم يكن لديه أي اعتراض، ولم أُواجه أحداً كان لديه أي اعتراض، بل مُعاملة طيبة مثلي مثل غيري من الزملاء".

 وأضافت: "حصلت على شهادة مزاولة المهنة في 16 آيار/مايو 2018، وذلك ليس أمراً خارجاً عن المألوف، فالمُحامي المُزاول يحق له بعد 3 سنوات أن يتقدم بطلب اجتياز امتحانات الشرعي بدون  دورات أو ورشات عمل، وبما أني كنت مُزاولة لأكثر من 5 سنوات، كان يحق لي التقدم بطلب لآخذها دون الالتزام بدورة أو ورشة".

هناء وكتب الفقه

درست هناء الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية لما يُقارب ستة أشهر لوحدها وبجهدها دون الالتحاق بدورات متخصصة أو ورشات عمل، تقول:"كانت الدراسة صعبة جداً، وساعدني بعض الزملاء في الفقه و المواريث ، لكن معظم دراستي جهود شخصية". وأضافت: "كان الدراسة مكملة لما درسته بالقانون بجامعة الازهر   ".

 تقدمت هناء للامتحانات التي استمرت لمدة أسبوعين، بمُعدل 4 مواد في اليوم الواحد، وبحسب تعبيرها : "لم يكن الأمر سهلاً أبداً، اجتزت جميع المواد، معظمهم بعلامات عالية ً وتقدمت الامتحانات على قدم مساواة مع زملائي و زميلاتي  وحصلت على شهادة المزاولة".

وأضافت:" بكوني أول مسيحية فلسطينية تحصل على هذه المزاولة  فأنا أحتكم إلى القانون الفلسطيني، الذي يجعل جميع المواطنين متساويين في أن يدرسوا قانون المحاكم النظامية ليترافعوا عن المحاكم النظامية أو المحاكم الشرعية، وانا احتكمت والتجأت للنص القانوني، وفي النهاية مرجعي نص القانون الفلسطيني العادل" .

تم  افتتاح مكتب هناء بحضور نقابة المحامين وزملائها وأقاربها وعائلتها، داعمين ومجشعين الافتتاح للمكتب الذي يقدم خدمات لكل مواطن فلسطيني.

رسائل عميقة

 وتحمل هذه الخطوة التي أقدمت عليها هناء عدة رسائل كشفتها لـ"دنيا الوطن" قائلة: "أول رسائلي أن القانون الفلسطيني قانون عادل، لا يُفرق بين مسيحي ومُسلم ويهودي، أو أياً كانت ديانته، طالما يحمل الجنسية الفلسطينية، فهو يحمي جميع المواطنين".


 وأضافت: "أما رسالتي على مستوى الوطن العربي والعالم، هي أن فلسطين أرض السلام والمحبة، وهي أكثر بلد عادل، ويتعايش فيها الجميع كإخوة لا فرق بينهم، تسودهم المحبة والمُشاركة والتآخي، كما ترون في مدينة بيت لحم حين تأتي أعياد الميلاد المجيدة، فالجميع يحتفل بها، وكذلك في غزة".

 واستطردت: "أنا في عيد الفطر والأضحى وفي رمضان، وفي ذكرى الإسراء والمعراج، أشارك نقابة المحامين وجميع زملائي بالاعياد، وأتوجه أنا وأسرتي كاملة لمعايدة جميع الأصدقاء، وأشاركهم جميع مناسباتهم، وأشاركهم فطور رمضان و كذلك يشاركونني الاعياد الخاصه بنا ، وأشعر بينهم بالكثير من المحبة".

 وختمت هناء: "رسالتي الأخيرة أن العلم لا يتوقف عند حدود معينة، أو مفهوم معين، أو دين مُعين، لذلك أُشجع كل امرأة وفتاة فلسطينية، أم الشهيد، أم الأسير، المضحية والمربية، ألا تتوقف عند حدود معينة في العلم، ونحن مستمرون وصامدون إلى الأبد، فمن حق المرأة االفلسطينية أن تتعلم وتخوض جميع المجالات، لا يجب أن يكون لدينا امرأة مُهمشة، فأكثر امرأة ضحت على مستوى التاريخ هي المرأة الفلسطينية، وبقيت صامدة، لذلك يُوجد بيننا العالم والمهندس والطبيب والمُحامي والقاضي، وكثير من المُبدعين رغم أنه في كل منزل يوجد شهيد أو جريح أو أسير، فنحن أصحاب رسالة الشعب الفلسطيني صاحب حضارة عريقة في الماضي والحاضر والمستقبل وإلى الأبد".