-->

العزوني يكتب - قراءة معمقة لخطاب الرئيس البشير

22 شباط/فبراير 2019 K2_ITEM_AUTHOR 
الرعد نيوز كتب أسعد العزوني
-أبرز ما يمكن ان يخرج به المراقب  والمحلل السياسي من خطاب الرئيس عمر البشير  الذي ألقاه مساء اليوم الجمعة ،والذي أعلن فيه قرارات هامة مثل إعلان حالة الطواريء لمدة عام وحل الحكومات الولائية، أنه خطاب الواثق والثابت وغير المهزوز بفعل ضربات  أولئك الذين كانوا يوما في الصف الأول،لكنهم إنحازوا لمصالحهم الخاصة والضيقة ، وخرجوا عن النص .
هناك العديد من الملاحظات التي يمكن التطرق إليها بعد خطاب الرئيس وأهمها أنه ظهر باللباس المدني،ولم يرتد الزي العسكري ،وهذا في عرف الحكم والسياسة له معان كثيره ،أبرزها أنه رجل سلام وليس رجل حرب في هذه المرحلة الحرجة ،وانه يريد حلا سياسيا لقضايا المرحلة ،ولا يريد أن يقود البلاد على طريقة الحكام الذين ضاعوا وضيعوا بلدانهم معهم،في مرحلة ما يطلق عليه الربيع العربي،ووضعوا دولهم في ملف الدول الفاشلة.
كان الرئيس البشير يتحدث إرتجاليا وكأنه يقرأ عن ورقة ،وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على فطنة الرجل وحنكته ورؤيته الدقيقة للأمور،وهذا ما جعله متمكنا من كل ما طرحه ،وبلغت ذروة ثقته بإعلانه التخلي عن رئاسة الحزب الحاكم "المؤتمر الوطني"،كي يتفرغ لرئاسة الجمهورية ورعاية الحوار بعد ان تعهد بان يكون على مسافة واحدة من الجميع،وهذه تحسب له لا عليه ،بأنه رجل حكم من الطراز الأول بعيدا عن اليوتوبيا التي لا وجود لها ،ونحن نعلم أن السودان يعاني من مشاكل جمة مدروسة وضعها الإستعمار حتى قبل إعلان الإستقلال ،ودفع الشعب السوداني ثمنها غاليا.
ولا ننسى أن السودان يعاني من حصار أمريكي غربي إقليمي جائر لإضعافه وإنهاكه ،ولكنه وبفضل قيادته الملتزمة بالثوابت أظهر صلابة عز نظيرها في العالم العربي ،برفضه الضغوط  الخليجية  الرامية للتطبيع مع مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيونية الإرهابية ،وإستقبال كيس النجاسة حسب التعبير الحريديمي النتن ياهو على غرار ما يقوم به البعض الساقط في المنطقة.
هذا ما جعل الموساد يقوم بتفجير الشارع السوداني،لكن صمود القيادة السودانية قطع الطريق على من يريدون للأمة الركوع تحت أقدام النتن ياهو،وقد كان الرئيس البشير كيسا يقظا عند الحديث عن وضع البلد،كما كان شفافا وصريحا ،عندما وجه التهم الصادقة لمن كانوا في الصف الأول لكنهم إنقلبوا على الوطن.
كان الرئيس البشير وهو يخاطب الجمع هادئا واثقا مفعما بالأمل في الخروج إلى مرحلة أكثر إستقرارا ،ووصف ما يجري في البلد بأنه إختبار للأمة والشعب ،وكان أمله واسعا عندما قال أن القيادة إستفادت مما جرى وخرجت منه بعبر ودروس ستستفيد منها في المستقبل،وهذا كلام يبعث الراحة في نفوس الجميع ،إلا من صمموا على تحقيق مصالحهم الضيقة ،بالعودة إلى الحكم ،وإعادة التطبيع والإتصال مع مستدمرة الخزر في فلسطين المحتلة.
لم يتعنت الرئيس البشير كما هي حالة الحكام الذين غادروا المشهد في الإقليم مبكرا،بل قال ان الخروج في بداياته كان مبررا  ،وأن مطالب الجماهير كانت محقة ،لكن من كانوا في الصف الأول يوما ويقصد  المهديين حرفوا المسار وسبحوا ضد التيار،وهذا ما جعل الأمور تتأزم.
ومن منطلق النوايا الحسنة لفخامته قال بكل الأريحية المعهودة ان حكومته تابعت إحتياجات المواطنين ،وكرر دعوته للحوار الوطني مع الجميع تحت راية الوطن ،مؤكدا إنحيازه للشباب وهذه لفتة كريمة من لدن الرئيس لتهدئة الخواطر وتطييب النفوس ،بعيدا عن التهديد بالحبس والفرم وما إلى ذلك من التوجهات العربية المعروفة.
كان إهتمامه بالشباب كبيرا وقد وعد بتلبية إحتياجاتهم ومتابعة اوضاعهم ،وقد برأهم من أي عبث بقوله ان الأيدي التي بنت صروح الوطن وهم الشباب ،لن يتحولوا تحت أي سبب من الأسباب إلى معاول تهدم الصروح التي بنوها ،ودعا مرة اخرى إلى الحوار البناء مع مختلف الأجيال كحوار إستراتيجي لا بديل عنه كونه أساس الإستقرار السياسي الذي يخلق الإستقرار الأمني والتنمية المستدامة.
وبشفافيته المعهودة اوضح الرئيس البشير أن حكومته تحلت بالمرونة المطلوبة وطرقت كل الأبواب لتحقيق السلام والأمن والإستقرار ،لأن الكل سيكون خاسرا في معارك العبث بالوطن ،ولن يربح احد وهذه قمة الحكمة.
كان خطاب الرئيس البشير بيانا سياسيا مصاغا بحبر الحكمة ،إذ قال أن بناء الوطن لن يكون بالتمترس وراء المصالح الضيقة ،ودعا الجميع إلى التحرك للأمام للحفاظ على الوطن والوحدة والتآزر ،ومد الوطن بالأفكار القيمة البناءة لتطوير الحياة السياسية بعيدا عن المصالح الضيقة والتهميش والإقصاء ،معيدا إلى الأذهان ما حصل من دمار للشجر والبشروالحجر في بلدان الربيع العربي ،ولم ينس السودانيين العاملين في الخارج.
دعا الرئيس البشير في خطابه إلى تجديد وثيقة الحوار الوطني للم شمل القوى السياسية في الداخل والخارج،وتعهد برعاية العملية التطويرية للحياة السياسية  وان يكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وهذا تعهد لضمان سير العملية وفق الخط الوطني السليم،كما دعا المعارضة إلى الإنخراط في لتشاور حول القضايا الراهنة ،وان يضع حملة السلاح أسلحتهم جانبا ويتفرغوا للحوار السياسي،ووعد بأن يكون الجيش حاميا للوطن وضامنا للحوار ،وقد حذر من العودة لمربع الفوضى والإقصاء ،لافتا أن العدل والقانون سيكونان الفيصل بعد إنتهاء التحقيقات في التجاوزات التي شهدها الحراك الموجه.
مجمل القول أن خطاب الرئيس البشير كان عقلانيا ،لكن المعارضة إياها والتي تريد العودة للاتصال مع الحكومة الإسرائيلية للحصول على دعمها المالي ،لن يعجبهم ما ورد في الخطاب،وأكثر ما أغاظهم  هو ظهور الرئيس البشير رجلا مدنيا وليس عسكري