-->

صفقة القرن القادم ...د.سليمان الرطروط

24 آذار/مارس 2019 K2_ITEM_AUTHOR 
قبل مائة عام انتهت  الحرب العالمية الأولى والتي تمخض عنها صفقة القرن ما بين الدول المنتصرة والدول المهزومة ؛ ونتج عنها تعديل خرائط العالم؛ ومنها زوال الدولة العثمانية، وتقسيم الولايات العربية ما بين الدول الاستعمارية، والاعتراف بسيادة روسيا على مناطق القوقاز، والنفوذ على أراضي الأقاليم الإسلامية في وسط أسيا ، وإقرار الاستقلال لدول البلقان من التبعية العثمانية. لقد كانت النتائج هزيمة كبرى للعرب والمسلمين ، وصدمة ضخمة لم يستطع الكثير تصديق نتائجها، وإقناع كوامن قلوبهم بها، وقد استمرت أسس الصفقة حتى وقتنا الحاضر، ولعل أبرزنتائجها دولة الكيان الصهيوني. 
وفي هذه الأثناء ومنذ تولي الإدارة الأمريكية الجديدة بدأ الحديث عن صفقة القرن، والمقصود بها إنهاء الاتفاقيات السابقة، وإبرام اتفاقيات جديدة تستمر لمائة عام قادمة،  ولعل من أبرز نقاطها تعديل الحدود بين الدول، والقبول بالكيان الصهيوني كدولة في المنطقة، بل تسليمه القيادة والهيمنة على الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، وتسعى الإدارة الأمريكية الآن لتنفيذ الصفقة  بسياسة الجزرة والعصا؛ وعند الإعلان الرسمي عن مشروع الصفقة ستستخدم العصا لكل من عصى، ولعلها تبدأ بالمناطق الأضعف؛ لبنان وغزة. 
ولعل حادثة نيوزيلندا والكتابة الواضحة والكبيرة على البنادق والتهديد باسترجاع استطنبول والتذكير بانتصارات القوى الغربية  رسالة لمن يهمه الأمر، حيث أشار أردوغان أن جهازاً ما يقبع خلف الحادثة، وبأن استطنبول ستبقى إلى يوم القيامة تركية وإسلامية، وما تراجع صرف الليرة التركية، والتضييق الاقتصادي على الدول الأخرى إلا لقبول الصفقة. وما تسريب الأخبار عن المبالغ التي ستدفع للدول ، والمشاريع الاقتصادية العملاقة التي ستقام في المنطقة، إلا بهدف إقناع الشعوب بالفوائد الوهمية للصفقة ؛ كما حدث سابقاً عند توقيع اتفاق كامب ديفيد، والحروب الخليجية ، وانعقاد مؤتمر مدريد، وتوقيع اتفاقيات أوسلوا، واتفاقيات السلام والتطبيع وغيرها، وبعدها لم تحصد الشعوب إلا مزيداً من الخداع والسراب  والفقر والعناء والذلة، والكثير من الندم والحسرة . 
إن الخطورة في صفقة القرن على الرغم من عدم الإعلان الرسمي لبنودها هي استمرار نتائجها لقرن قادم والتي من معالمها التغيير الديموغرافي والسياسي في المنطقة، رغم الرفض الشعبي الكبير لها ، ولكن الدول الكبرى لا تُعير أهمية وقيمة لرأي الشعوب، ولذا تعتمد على أدواتها المحلية للتطويع، وقد تستخدم القوة المفرطة لتنفيذ سياستها، وأظن أنها ستعمد لذلك في هذه المرحلة المقبلة. 
ولو كانت الإدارة الأمريكية تسعى للعدالة وتحقيق مبادئ الديموقراطية الأمريكية من إعلان الصفقة  لعملت على إرجاع الحق لأصحابه، وأن لا تكون طرفاً منحازاً، فالشعب الفلسطيني المظلوم والذي تشتت في منافي الأرض، ولحق به شتى أنواع القهر والعدوان منذ ما يزيد عن قرن من الزمان ما زال يرنو للاستقرار والعيش كباقي شعوب العالم، ولن يقبل بأقل من حق عودته لوطنه المسلوب، أما الأمة الإسلامية والعربية فلن ترضى إلا بعودة مسجدها الأقصى إلى حياضها، فمهما أبرم ووافق  الساسة على الاتفاقيات إلا أن الواقع سيكون مغايراً، ورفض الشعوب للتطبيع واتفاقيات السلام خير شاهد على ذلك. 
إن أمن وقوة الكيان الصهيوني هو الهدف الأسمى للسياسة الأمريكية في المنطقة، وما يصدر وينفذ من سياسات أمريكية وغربية بشكل عام إلا لخدمة ذلك، أما الشعوب الأخرى فغثاء كغثاء السيل؛ ولذا إن كانت الإدارة الأمريكية تحرص على إنجاح صفقة القرن القادم فعليها السماع والتجاوب مع كوامن النفس العربية والإسلامية، ففي بعض الأحيان تسمع من بعض الساسة كلاماً ومواقف ترضيها ليكسبوا دعمها للبقاء في مواقعهم، ولكن الحقيقة غير ذلك؛ ولهذا كله وبسبب المواقف الأمريكية المعادية وغير المنصفة  فإن أجواء الحروب والنزاعات أقرب للمنطقة من بوادر السلام والهدوء، فربما كان صيفاً أسخن مما نتوقع !!!. 
# صفقةالقرنالقادم
# د.سليمان_ الرطروط 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.