-->

العمرو يكتب - الرأي العام ومستقبل المؤسسات التقليدية لانظمة الحكم

30 أيار 2020 K2_ITEM_AUTHOR 
الرعد نروز -كتب الدكتور قاسم جميل العمرو
--  شهد العالم في الثلاثة عقود الاخيرة ثورة هائلة في التقدم التكنولوجي وخصوصا في مجال الاتصالات،حتى اطلق عليه اسم العصر الرقمي (digital age) ، هذا التقدم انعكس على حياة الناس بشكل واسع ومخيف واصبح كل مواطن يستطيع متابعة كل شؤون الحياة والاطلاع على ما يجري في هذا العالم بدون عناء وبنفس الوقت بمقدوره التعبير عن نفسه بحرية. وفي قراءة للماضي البعيد نجد ان الشعوب كافحت من أجل الحد من السلطة المطلقة للحاكم واستغرق ذلك سنوات طويلة وكان أثرها واضح في تطور النظام الملكي في بريطانيا بإعطاءه الفرصة للمشاركة الشعبية لاضفاء الشرعية والقبول للنظام، حتى تطور الامر الى حالة فريدة وغير مسبوقة على هذا الصعيد وأصبح البرلمان مركز الثقل السياسي والتشريعي في إدارة شؤون الدولة. اليوم وبعد مرور ثلاثة عقود على دخولنا العصر الرقمي بحيث اصبحت الحياة أكثر سرعة وسلاسة وتشابكت بطريقة عجيبة ورهيبة واصبح الانسان قادر على إدارة كثير من الامور في آن واحد ويؤثر في الاحداث بتغريدة على تويتر او بوست على الفيسبوك، فإن هذا يدعونا الى التفكير مجددا للبحث عن آليات تشُكل الرأي العام ودوره بالتأثير على قرارات السلطة،  ويقول المفكر الفرنسي (V.O.Key) ان من المهم ومن الحكمة ان تلتفت الحكومة الى آراء الاشخاص والاهتمام بها. إن تشكل الرأي العام سهل بسبب هذا العالم الافتراضي، ففي الدول الديمقراطية عادة يهدف الرأي العام  الى الاصلاح اما في الدول الشمولية يكون الراي العام سلبي ومحبط ومثبِط فتكثر الاشاعات ومحاولات التخوين والاساءة لان طريقة تغذيته تتم بوسائل غير شرعية، وتنطلق من مواقف شخصية أو أحقاد أو عند الاخلال بمبادئ العدالة الاجتماعية ومعظم دول العالم الثالث يتشكل فيها الرأي العام السلبي بهذه الطريقة، وخطورة ذلك  تكمن عندما يصل الى نسبة ساحقة بين المواطنين ويتحول الى اجماع حينها يصبح من الصعب الوصول الى حلول. وانطلاقا من أهمية الرأي العام وهذا الفضاء المفتوح الذي يساعد على تشكله بسرعة رهيبة فان السؤال المطروح كيف للانظمة السياسية الاستفادة من الرأي العام؟  لناحيتين ترشيد الاجهزة البيروقراطية والاستغناء قدر الممكن عن الحمولات الزائدة في تركيبة مؤسسات الحكم وخصوصا السلطة التشريعية والاعتماد على الرأي العام الايجابي لمعالجة التحديات واتخاذ القرارات التي تتناسب والمزاج العام والاستفادة من الرقابة الشعبية، وبنفس الوقت تكون القرارات شفافة حتى لو لم يكن لها انصار فانها تستطيع الدفاع عن نفسها واقناع الاخرين. اما بخصوص السلطة التشريعية وحالة التناقض الرهيبة وعدم الرضى الواضح عن الاداء واتهامها من قبل جموع الراي العام ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بأنها تقف وراء خرق العدالة الاجتماعية والاسهام بدلا من الرقابة على اعمال الحكومة مجاراتها لتحقيق المصالح الشخصية. فالمطلوب من الحكومات توجيه الراي العام بطريقة فنية وذكية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومعالجة كل الاخطاء التي ترتكب والحد بشكل واضح من تفاوت الفرص ان كانت تؤمن بأن المواطنين متساوون أمام القانون وان المواطنة هي الاساس في المفاضلة بين المواطنين. ان الرأي العام يفرض نفسه بقوة وعليه يجب تقويم المراحل الزمنية وإعادة النظر بطريقة عمل المؤسسات التقليدية وخصوصا السلطة التشريعية لانتاج مضمون جديد يحاكي الواقع ويستجيب للتحديات لا ان يكون عبئاً ثقيلا على النظام السياسي الشعوب تحتاج العدالة وسيادة القانون ومحاسبة الفاسدين والضمانة لذلك كلة؛ هو الرأي العام الايجابي الذي يضمن استقرار المجتمع ويجب على الانظمة الذكية أخذ ذلك بعين الاعتبار.