-->

العين حدادين يلقي كلمة رثاء كامل ابوجابر

31 أيار 2020 K2_ITEM_AUTHOR 

  
الرعد نيوز -
ألقى  العين الدكتور منذر حدادين كلمة رثاء أثناء تشييع جثمان الوزير الأسبق كامل ابوجابر وتاليا نصها :-
نيافة المتروبوليت خريستوفوروس الجزيل الاحترام
نيافة المطران الشوملي مطران طائفة اللاتين
القساوسة المكرمين والآباء الأجلاء
أيها الجمع المشيعون،
نظرت إلى وجه الراحل الحميم وأوشكت أن أخاطبه بالقول: "أيها الراقد العظيم" لولا أن تذكرت أن مطراننا الجليل قد أنهى مراسم جنازه، وتذكرت دعاءه لله أن يكون ذكره، أي الراقد الحبيب، مؤبدا.
ارتحل عن الدار الفانية عمدةُ علمٍ وأدبٍ وخلق عظيمٍ، وقد سبقه إلى الدار الباقية رهطٌ من عائلته أبناء المرحوم صالح أبو جابر كريمٍ من كرام القوم، ومن شيوخ اليادودة المعروفين بالأيادي المعطاءة، ومن ذوي الأبواب المفتوحة للضيوف ولعابري الطريق وللمحتاجين. في هذه الظروف ولد كامل وترعرع وأمضى ردحاً من طفولته وصباه في الجزء الأدنى من جبل عمان يوم كان يسمى بجبل الملفوف (إشارة إلى أثار فيه) إلى جوار شارع خرفان وشارع عصفور إلى الشمال وشارع كلوب إلى الغرب  وإلى جوارهم صبري الطباع ورياض المفلح وسعيد المفتي وأمين مرعي وسواهم، وقريباً من كل ذلك باتجاه البلد أمضيت أيضاً طفولتي وصباي.
عرفت الراحل الكبير بعد أن شبع علماً في الولايات المتحدة في جامعة سيراكوز بولاية نيويورك من مبتدى تعلمه في الجامعة إلى أن حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، ثم درّس في جامعات أميركية. ولما اكتفى هناك علماً وتعليماً قفل راجعاً ليدرّس في أم الجامعات الأردنية. عرفته هنا أستاذاً في الجامعة الأردنية بعد أن قفلت مثله راجعاً من الولايات المتحدة لخدمة الوطن. وما هي إلا سنتان من معرفتي به حتى تبوأ الراحل الكبير منصب وزير الاقتصاد الوطني في حكومة السيد زيد الرفاعي الأولى عام 1973. وعاد للتدريس في الجامعة الأردنية بعد أن أدى في الحكومة واجبه الوزاري.
وناداه المنصب الوزاري ثانية في العام 1991 عندما صُمَّتْ آذان وعَزَفتْ أذهان عن الاستجابة لنداء الواجب. فقد توانى عن خدمة الوطن بعضٌ من الشخصيات الأردنية ممن لم تقوَ أرجلهم على المضي لمواجهة العدو في معركة السلام. فتصدى الراحل الكبير للمسؤولية وأشغل منصب وزير الخارجية في حكومة طاهر المصري واستمر يشغله في حكومة الشريف زيد بن شاكر (1991-1993)، وقاد الوفد الأردني الفلسطيني المشترك إلى أولى مواجهاته مع العدو في مدريد. وكان صاحب المعالي فقيدُنا وفقيدُ الوطن إلى جانب الملك الحسين العظيم عندما شكل الوفود إلى المعتركات المصيرية، وقاد الراحل الكبير الوفد الأردني الفلسطيني المشترك إلى افتتاح مؤتمر المفاوضات متعددة الأطراف في موسكو في 26 كانون الثاني 1992 وكنت إلى جانبه مع زملائنا الآخرين.
أبلى الراحل الكبير أحسن البلاء في تمثيل الأردن في تلك المحافل الدولية الصعبة، وكان كعادته الدائمة يرشح دماثة وخلقاً وكبرياءً يعربيةً معبرة. كان مرجعية رؤساء الوفود الأردنية للمفاوضات متعددة الأطراف وكنت أحدَهم، وكانت تفصلنا المسافات الجغرافية والمناطق الزمنية إلا أنه كان دائماً مجيباً لاتصالاتنا عندما كنا بحاجة للتوجيه السياسي لنواجه ما كان يواجهنا من صعاب.
وأبلى الراحل الحبيب البلاء الحسن عندما تداعى مع رهطٍ من الغيورين الأرثوذكس للوقوف إلى جانب الكنيسة وقيادتها عندما عصفت بها الشدائد. وانتخوا لها طوعاً دون أن تطلق نداء الاستغاثة. ووقفوا إلى جانبها، وتشكل منهم المجلسُ الاستشاري لبطريركية الروم الأرثوذكس. واستطاعت قيادة الكنيسة أن تقود سفينتها إلى بر الأمان، وطفق الراحل الأرثوذكسي الكبير يؤلف بين قلوب رجالات الطائفة، ويقدم النصيحة والدعم لقيادة الكنيسة حتى اختاره الله إلى جواره صبيحة يوم أمس.
باسمي، أيها الراقد العظيم، وباسم زملائي أعضاء المجلس الاستشاري لبطريرك الروم الأرثوذكس المقدسي، أفصحُ عن عظيم خسارتنا وعن حزننا لرحيلك، ونقدم أعمق التعازي لرفيقة دربك السيدة لوريتا ولابنتيكما الدكتورة ليندا والمربية نايلا ولآل أبو جابر الكرام الذين انبثقت منهم أعمدة ارتكزت عليها وعلى أعمدة من عشائر أخرى كنيسةُ الروم الأرثوذكس المقدسية.  واسمح لي يا صاحب المعالي أن أبوح عنك لمدينتنا بما هي تعلمه*:
عمان، يا وطن الجهاد            وملجأ العثرات، ذوبي
غناك كامل والعتاةُ               قصائد الزمن العجيبِ
رقصت قوافيها على              نغم البشائر والحروبِ
أعراسُ يعربَ من مقا            طعها وخيبةُ ذي كلوبِ
زفرات أحمدَ في رسا                  لته وآلامُ الصليب
حتى إذا طلع الحسين          وماج في الأفق الرحيبِ
صهر القرون وصاغها         تاجاً لمفرقك الحبيبِ
نم يا صاحب المعالي فقد كبُرْتَ في خدمتك لوطنك وفي إخلاصك لملوكه الأربعة مقتفياً أثار أسلافك الأحرار الميامين. ثم إنك أحببتها وأحبتك أمُّ الكنائس. نم قرير العين وسيكون ذكرك مؤبدا.
عمان، كنيسة خلدا للروم الأرثوذكس
السبت 30/05/2020
_______________________________________
(*) أبيات الشعر بتصرف من قصيدة الأخطل الصغير في رثاء الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي