-->

"المتجهّم"مجموعة قصصية ساخرة للكاتب الاردني كمال ميرزا

14 آذار/مارس 2020 K2_ITEM_AUTHOR 
 
 الرعد نيوز - أسعد العزوني
-- السخرية عند الكاتب الأردني  الساخر د.كمال ميرزا ،ليست إنتقاصا من من قيمة الآخر ،ولا هي مضيعة للوقت   أو ضربا من ضروب التلهي والتسلية على حساب كرامة الآخرين،بل هي فن راق وجاد،إتخذ من السخرية  رسالة ووسيلة له ،كي يوصل للآخر ما يريد من أفكار بناءة بطريقته الخاصة التي تبدو وكأنها كلام ساخر.
ففي مجموعته القصصية الساخر الأخيرة بعنوان"المتجهّم"،التي صدرت بالأمس في عمّان عن دار "هبة ناشرون وموزعون"،إستعرض الكاتب ميرزا قصة العالم المخترع "الغبي" أديسون "صاحب الألف إختراع مثل الكهرباء والفونوغراف،ورجل الأعمال الناجح ،الذي رفضته المدارس لغبائه ،بطريقة ساخرة مشوقة تتخللها بعض الكلمات العامية التي تأتي في السياق لإضفاء بعض الطراوة على النص.
إسترسل ميرزا في إستعراضه لسيرة أديسون في الخيال عندما قال أن هذا "الغبي"إشتغل في التجارة وحقق أرباحا ،وتنقل بين العديد من المهن اليدوية وآخرها فنّي "هايبرد"يتولى فحصها على  الكمبيوتر،وعقد مقارنة بين هذا "الغبي"وبين أقرانه في المدرسة والذين نجحوا وعملوا ،لكنه كوّن ثروة أكثر منهم ،ففي الوقت الذي كان فيه هؤلاء لا يجدون الحد الأدنى لتكاليف الزواج ،كان هو يقطن في بيت فخيم يتكون من طابقين بناه من حر ماله،كما أنه أصبح لاحقا أغنى وأكثر أبناء جيله الأذكياء نفوذا ومالا،وينحو ميرزا منحى ساخرا جادا بإمتياز بقوله أن عدم إتقان أديسون لأي لغة حية حال بينه وبين "تلزيقه"بالسلك الدبلوماسي قنصلا او سفيرا،لكنه يستعد لتولي حقيبة وزارية بعد الإنتخابات ،وهو عضو في العديد من مجالس الإدارارات وله "مجموعة  أديسون القابضة"
هذه القصة لا تتحدث عن الغبي أديسون ،بل هي تفضح وتعري أوجه الفساد المستشري في عالمنا العربي  ،وما يفرزه الفساد من ظواهر محيرة تحرم المثقف والواعي ،وتعلّي من شأن الجاهل والغبي شرط ان يكون هناك "كارت غوّار" يعني واسطة.
وفي قصته بعنوان "رضا"يعالج الكاتب ميرزا ظواهر وأمراض المجتمع مثل أطفال حليب البودرة والجهل والعادات البالية والمعتقدات الخاطئة،من خلال سرد قصة ولد وحيد لعائلته محروم من الحنان ،فأصيب على ما يبدو بالإكتئاب لكن أباه لم يستوعب ذلك ،فدار به بين شيخ الجامع والروحاني المكلفين ،إلى أن أقنعه معلم المدرسة بعرض إبنه على الطبيب ،لكنه لم يقتنع بما قاله الطبيب الأول أن إبنه مصاب بمرض عضوي وانه بحاجة إلى حنان ،فعرضه على أكثر من طبيب وكان التشخيص  واحدا،كما نفد الكاتب ميرزا إلى ظاهرة مقايضة بعض النساء أزواجهن ليلا  عند طلبهم قضاء وطرهم منهن ،كي لا يستمر في حرمان ولده وحبسه .
وفي قصته بعنوان "قز القرت"وتعني بالشركسية الكلام الفارغ أو الهراء، ينقلنا الكاتب ميرزا إلى تركيا ليحدثنا عن إنقلابها الأخير بسخرية بعيدة عن الإستهزاء والهراء ،مستخدما مفردات حديثة ،مقحما طالبا غير تركي يدرس الآثار في تركيا ويبدي إستغرابه من عدم إكتراث الشعب التركي بالإنقلاب،كون رموز قرية قز القرت   كانوا يواصلون لعبة الورق في المقهى.
أما في قصته بعنوان"ربيع البطريق"فتحدث عن موظف أراد الإنتقال من العمل في مكتبه إلى مكتب آخر بسبب الملل،وكان يعمل في جهاز وكالة الإستخبارات الأمريكية، وإحتج على البرود والهدوء الحاصلين بعد   إنتهاء  الحرب الباردرة بين الأمريكان والسوفييت،وكان مكمن المسخرة الربيع العربي ،وما سبقه  من أحداث جسام تم تمريرها بدهاء مثل حرب النجوم  وحروب الخليج ومؤتمر مدريد للسلام وإتفاقيات أوسلو ومعاهدة كامب ديفد ومعاهدة وادي عربة والحرب على الإرهاب ،وقد تم طلب مدير بديل له في وحدة الشرق الأوسط،من خلال  نشر إعلان على موقع الوكالة طالبا عدم إرسال سيرة ذاتية لأن الوكالة تعرف أصل وفصل الجميع،لكنهم تراجعوا عن ذلك وإقتنعوا بكلام المدير سام ،في إشارة إلى الأعراب الذين يتولون مهمة قتل وتدمير وإستعباد أنفسهم بانفسهم،وقد تم إلغاء الوحدة.
وفي قصته بعنوان"العدّاء"تحدث عن حلم كان يراود أحدهم منذ طفولته وهو المشاركة في المارثون ،ولذلك شارك في سباق الضاحية على مستوى المدرسة  والمحافظة ،وبسبب غمرة حملات التحديث والعولمة والتطوير والتعاون المشترك التي إجتاحت البلد تسنى له المشاركة في الماراثون،وهنا يسقط الكاتب ميرزا الكثير الكثير على المتغيرات التي نشهدها حاليا ،ونقل بطله إلى مرتبة الظاهرة ،إذ دعا له شيخ الجامع في خطبة الجمعة ،وطلب معلم المدرسة من طلابه كتابة موضوع إنشاء عنه بعنوان "البطل الطموح"،وكان الشاب أثناء مشاركته في المارثون يتخيل أن إسمه سيعم في كافة أرجاء البلاد وتنطق به وسائل الإعلام بانه بطل المارثون الثاني للمحبة والسلام ،وبطل المحبة والسلام ،لكنه وقبيل نهاية الماراثون توقف مشدوها متسائلا عن أي سلام يتحدثون،فسبقه منافسوه ،ثم نكص على عقبيه وركض في الإتجاه المعاكس،.....كناية عن رفضه لما يجري هذه الأيام.
وفي قصته الساخرة حد التهكم بعنوان"المشّاء"تحدث الكاتب ميرزا عن أحد الأشخاص الذين فازوا بالميدالية الذهبية العالمية الأولى في تاريخ البلد  ،وتحقيقه رقما قياسيا في مسابقة "المشي السريع"،ولهذا بدأوا في تسويقه مجتمعيا وبدأو بإظهاره على الشاشة الصغيرة أولا ،ولكنه أظهر ضحالة عميقة خلال إجاباته على أسئلة المذيعة ،حيث قال ان الوحدة هي شبب فوزه وانه ذهب وحيدا ومشى وحيدا وفاز وحيدا.......الأمر الذي نزع الهالة عنه إلى درجة انه خرج من مبنى التلفزيون من خلال باب خلفي إلى شارع معتم ولم يجد الاسيارة الفارهة التي أحضرته بانتظاره،لكنه رآى الكلاب الضالة وخاف منها.
وفي قصته بعنوان "الوضيع"إستهل الكاتب الحديث بحوار مجهول عن الوضاعة دار بين احدهم وإمراة ما  إنطلق من القول ان وراء كل رجل عظيم إمراة..،وخمّن ميرزا ان هذا الحوار ربما دار بين قوأد أربعيني وإحدى العاهرات اليافعات أو بين "فتوّة " وراقصة،أو بين زوج سكير وطليقته أو بين شاب مستهتر وإحدى الفتيات من باب التحرش،أو بين رب عمل محدث النعمة وسكرتيرته حديثة الترمل، أو بين أستاذ جامعي كهل وطالبة  ضعيفة الأداء،أو بين الشقيق الأصغر والأكبر أو بين بنت وإبن الجيران أوسائق تكسي أو حارس عمارة خبيث ،أو صنايعي صغير يساوم عانسا فاتها القطار   أو بين رجل أمن عنين يلح على إحداهن لترسل له إبنتها كي يوقع بأحد المعارضين المشهورين،من أجل الحفاظ على مصالح العائلة ومنصب زوجها ومستقبل إبنها السياسي ،وتلا فيا لعدم نشر تسجيلات لها هي ومجموعة من صديقاتها تجمعهن على ظهر يخت فاخر بعدد من أبناء المسؤولين في حفلة سكر وتعاط وعربدة جماعية.
ويخرج الكاتب ميرزا عن المألوف ويتحدث عن "أعلى المدينة"،في قصته التي إتخذت ذات العنوان ،من خلال شاب وإمراة لعوب يجلسان في الكافيه ويحتسيان القهوة  ثم يصعدان إلى جناح الفندق المحجوز دائما بإسمها،ليغوصا في بعضمها البعض بعد تناول ما لذ وطاب،ويتفنن ميرزا في حشد الظواهر الغريبة مثل انها ترفض ان يستحم أو يغسل يديه وفمه  قبل قضاء وطره منها لنها تحب رائحة عرقه،موضحا انها مزواجة مطلاقه  إلتقطته من أمام مكتب سفريات ،ونقدته بعض المال وأعطته عنوانها ليقضي وطره منها ،وتحول الأمر إلى إستعباد بأن أحضرت له صديقاتها ومن ثم السكرتيرة،وقد تركته بعد ان عثرت على بديل له ،وتبين إنه عميل مزدوج، مختتما قصته أنهم خلقوا له "سيرة ذاتية " مزورة تبين انه أرستقراطي وفارس ويحمل شهادات عليا مع إنه حفيد لقطاريز القبيلة.
دخل الكاتب ميرزا في قصته بعنوان"براءة "في المحظور ،وغاص في التابو الديني،بالحديث عن المسكوت عنه وخاصة ما يتعلق بخطبة الجمعة ،حيث يمارس الخطيب فنون الصراخ في وجه المصلين  ويطيل الخطبة،وأدخل في السياق سوء فهم البعض لتعاليم الدين ،من خلال إبراز صورة أب جاهل رد على سؤال إبنه عن سبب صراخ الإمام في الخطبة ،فقام بتوجيه ضربة له رمته أرضا،لسوء فهمه للحديث الشريف"علموهم للسابعة وإضربوهم للعاشرة".
كما تطرق للولويات متسائلا هل تأثيث المسجد أولى  من إعالة فقير او علاج مريض،ناهيك عن تحويل المساجد لديكورات فنية ،ولم يعد  المسجد مدرسة أو جامعة أو منتدى لمناقشة الشأن العام أو ضمير المجتمع،كما تعرض للأدعية المعتادة والدعاء للحاكم ،وخوف المصلين داخل المسجد من الإعتراض على الإمام،خشية وجود مخبرين،واصفا الجميع بالجبن والعوج .
أما في قصته بعنوان "الغبار"فإنتقد من يسب الغبار وطلب من الله النصر ببركة الغبار،جاء ذلك على لسان أمير مقاتل ،في حين كان الشاب وائل ضمن الحضور ويعاني من حساسية الربيع ،وينتهي به إلى الموت بسبب نوبة ربو شديدة،مسلطا الأضواء على بعض المعتقدات الخاطئة  مثل الكفارة التي تمنع القضاء والقدر .
ينتقل الكاتب ميرزا من الغبار إلى ما بعد الحداثة في قصة تحمل ذات العنوان،وينقلنا إلى مرافعة محام في قاعة المحكمة حول قضية قدح وذم نال المشتكى عليه  فيها حكما بالسجن ست أشهر وبدفع غرامة قدرها عشرة آلاف دينار،متهكما من صيغة المحامي في الدفاع وإستخدامه كلمة إعتباطية،وعند إعتراض المحامي أمر القاضي بسجنه وحلق شعره على الزيرو.
وفي قصته  بعنوان "المارق"يغوص الكاتب في ثنايا التناقض المجتمعي من خلال أم تصرخ بسبب إعتقال فلذة كبدها وتصفه  مادحة ب"المرظي إبن المرظي" لكنها وبعد ان همست في أذنها أكبر  بناتها بالتهمة الموجهة إليه ،إنقلب وضعها رأسا على عقب ،وقالت "الله يخزيك زي   ما خزيتنا يا  غظيب يا إبن الغظيب"،كما إن والده عزل نفسه وقال"الله ينتقم منك الله يخزيك زي ما خزيتنا يا غظيب  يا إبن الغظيبة يا كلب يا إبن الكلبة"....وكذلك كان موقف العشيرة  الذين تبرأوا منه بنشر صفحة كاملة في الجريدة ،حتى أن الشرطة الذين قبضوا عليه كانوا يشمئزون منه ،وكذلك السجناء الذين رفضوا مخالطته بحجة إنه حرامي غسيل...وهنا تكمن الرسالة،وقد حكم عليه بالموت سحلا،وتم الإيعاز للمدارس والجامعات ان تسير مظاهرات لتأييد الحكم.
بعد ذلك ينقلنا الكاتب إلى عمق الحالة في قصته التي تحمل إسم المجموعة "المتجهم "بإعلان يطلب أشخاصا جلفين لتولي مناصب حكومية ،والأكثر جلافة سيتولى حقيبة وزارة المالية،بعد أن رآى الزعيم المفدى في منامه أنه يقف ببزته العسكرية  أمام فصيل إعدام يرتدون جميعهم زي حرسه الخاص ،ويحملون ذات الأوسمة على صدورهم التي يتقلدها هو شخصيا.
ويتبين لنا ان هذا الكابوس يتكرر ،وإن تحولا مهما طرأ على طريقة تفكيره ولم يعد يتقبل ممن هم حوله مجاملاتهم ،ولذلك طلب بوضع مرايا كثيره في غرفة نومه حول السرير والسقف في محاولة منه لمحاكاة غرفة إحدى صديقاته أيام دراسته في الخارج ،ووصل به الأمر ان يرد على رئيس التشريفات عندما قال له ذات صباح ان الفطور جاهز،ورد عليه "..أمك على أم الفطور "قالها في سره مستغربا كيف تصدر عنه مثل هذه الكلمات النابية ،الأمر الذي جعله يغتم ،كما إستغرب من زوجته وهي تأكل أمامم الآخرين بالشوكة والسكين مع انها تظهر في السرير كفتاة كاوبوي،كما أنها كانت توفر له أصناف النساء كي لا يمل منها،وسألها مرة  إن كانت تغار عليه ،فردت "أنت الزعيم والزعيم لازم يكون مبسوت ،تالما الزعيم مبسوت الشعب مبسوت"...قالتها بعربية مكسرة.
يهدي الزعيم أحد ضيوفه من رؤساء دول أمريكا اللاتينية رواية  قرأها بتمعن وتخيل ان الرئيس كان يقصده في غمزاته ولمزاته ،وإستمر في قراءة الرواية التي فهم منها نهايته ،وإنشغل بمعرفة سبب قيام الرئيس الضيف بإهدائه تلك الرواية التي تحدد مصيره ،علما أن السبب كان قانونا يمنع  إهداء أشياء ثمينة فاختار ذلك الرئيس هذا الكتاب،وقد أعجب الزعيم بشخصيات الرواية المتجهمة .اظهرت تلك الرواية تحولات عميقة في شخصية الزعيم الذي رفض الفتاة الأوروبية التي أحضرتها له زوجته ،وتمرد على طاقمه برفضه  المكياج المعتاد لإخفاء تقدمه في السن ،كما انه غادر القصر مستغربا من عدم ملاحظة الحراس لذلك،وقد غاص في الشارع بعد ان ركب سيارة تاكسي عادية يقودها سائق يرتدي هنداما نظيفا ويضع نفس عطره  يبتسم ،فساورته الشكوك ان حراسة إكتشفوا أمره  وتنكر أحدهم في زي سائق تاكسي لحمايته ومجاراته في لعبته.
توجه الزعيم إلى وسط البلد،وبعد ان إستمع الزعيم لصوت المذيع من راديو السيارة وهو يبتسم إستبعد ان يكون السائق رجل أمن ،لأن رجل الأمن لا يجرؤ على الإستماع لبرنامج تافه،ووصلت السيارة وسط البلد بسرعة قياسية ،لكنه حار أين يذهب،فلمح شخصا فقيرا يرتدي ملابس مهلهلة ،وإستبشر خيرا لأنه وجد من يتحدث معه ،لكن الفقير لم يعره إنتباها،كما لمح شخصا آخر لم يعره إنتباها فظنه مجنونا،وتوالى الأشخاص الذين فشل في الحديث معهم فشعر بالخذلان .
دخل الزعيم الحائر أحد المقاهي الشعبية يعمل فيه اناس بائسون ،وعندما لمحه الجرسون المتجهم توجه إليه وسأله عن طلباته ،فطلب حمصا وفولا،وما هي إلا لحظات حتى عاد إليه  الجرسون يحمل صينية قذرة عليها صحن حمص وصحن فل  وصحن فلافل  فيه خمس حبات بالعدد،وصحن مقبلات وصحن مخلل معاد تدويره ورغيفين بلديين ،ووجد الزعيم ان طعم الحمص والفول الذي يقدم له في القصر يختلف عما هو بين يديه في المطعم،ومع ذلك واصل الأكل،وشعر انه يفضل طعم المطعم،وبعد ذلك تسكع في الطرقات وشرب عصير القصب وأعجبه الطعم ورآى صورته معلقة في المحل،وعندما دفع الثمن طلب الباقي لأول مرة ،الأمر الذي أغضب صاحب المحل وتذكر ان لطف سائق التاكسي والجرسون معه كان بسبب عدم طلبه الباقي ،وكرر الموقف مع بائع متجول ليصل إلى نفس النتيجة وتيقن من ذلك بإعادة التجربة مع آخرين.
تساء الزعيم إن كان ذلك ينطبق على زوجته وأولاده  وحاشيته ،فانتفض واقفا كمن به مس،وركب أول سيارة مرت،وطلب من سائقها التوجه نحو الحي الراقي الذي ركن سيارته فيه،وهو يسمع طحن الأفكار في رأسه ..حتى زوجتي وأبنائي،وحاشيتي وحراسي ...الدنيا مصالح،وعندما توقف السائق عند حاجز أمني في المنطقة  ، صرخ الضابط المناوب فيهما ووصفهما بالكلاب وطلب منهما النزول من السيارة رافعين أيديهما،وعندها إنفجر الزعيم ضاحكا إخرس يا حيوان!وقال له أنا الزعيم يا حيوان،وطلب منه إنزال سلاحه وإعطائه إسمه وإسم رئيسه المباشر ،فبهت الضابط ،وإقترب منه الزعيم ونزع شارة إسمه من على صدره وصرخ بوجهه ان يفتح له الطريق،فانصاع الضابط وأمر الجنود بفتح الطريق،وعندما وصل إلى سيارته وجد هناك إستنفارا أمنيا حول سيارته .
ترجل الزعيم من السيارة  وسط الحشد وهو يصيح :صح النوم ..الآن إنتبهتم  أن زعيمكم قد إختفى؟ومنعهم من الإقتراب منه  وأمرهم بالعودة إلى مواقعهم،وطلب من وزير الداخلية ومدير الأمن  ومدير الحرس الرئاسي ان يتبعوه،وإستقبلهم في مكتبه بالتقريع والشتائم  وبعربية فصيحة، وفتح باب مكتبه وصاح بالمحتشدين في الخارج وطلب إحضار رئيس الوزراء وقائد الجيش ومدير المخابرات ورئيس مجلس الشعب فورا!!!!وفي اليوم التالي نشر الإعلان في وسائل الإعلام :"مطلوب أشخاص جلفين لتولي مناصب حكومية ..الأكثر جلافة سيتولى وزارة المالية"!!!وأعلن الزعيم حالة الطواريء وأقال الحكومة وحل المجلس التشريعي وأعفى رئيس السلطة القضائية من منصبه ،وسرح قائد الجيش وأحال كبار القادة العسكريين والأمنيين إلى التقاعد، وإستبدل حاشية قصره كلها وصرف الحرس الرئاسي وإستعاض عنهم بقوات من البادية ،وطلب من زوجته المغادرة للعيش في الخارج مؤقتا،وطلب من زوجته الأولى ان تعود إليه،للعناية بولده ،وقد أقامت قرارات الزعيم الدنيا ولم تقعدها،وأذهلت حلفاءه وأصدقاءه في الخارج.
وجاء في  إفتتاحية نشرتها إحدى صحف الموالاة  بعنوان "الزعيم يعزّل البلد"أي ينظفها ،وتمت تسمية إبن الزعيم أمينا عاما للحزب الحاكم ،ولم يجرؤ أحد على وصف ما جرى بالإنقلاب.
وفي بيان رئاسي مقتضب أعلن الزعيم تخليه عن كافة المناصب،نظرا لظروف صحية ،وقامت أجهزة الأمن بتسريبا ت مفادها أن سبب التنحية  هو خلل في قدراته العقلية ،وتم تسفيره سرا  وأودع إحدى المصحات عنوة  في الخارج،وبعد شهر أعلنت وفاته رسميا بسبب صراعه مع المرض،ولكن التحقيقات الرسمية التي أجرتها أجهزة أمن البلد المضيف  فكشفت أنه وجد غارقا في حوض إستحمامه وعلى رجليه ويديه آثار قيود ومقاومة،وأنه كان في آخر أيامه يرفض تناول العلاج إلا عنوة أو بالحقن كما كان يرفض تناول الطعام ،وسمع ليلة وفاته وهو يصرخ "اللعنة عليك يا كبير الخدم ..أنا وانت ولدنا أبناء قحبة  وسنموت  أبناء قحبة .....".
مجمل القول أن كاتبنا ميرزا ليس كاتب سخرية مقهقهة بل هو كاتب جارح يتعامل مع الأشياء كالجراح بالمشرط والسكين،وما يتعرض له ليس من بنات أفكاره أو نتاج خياله الجامح ،بل هو واقعنا المريرKولا شك انه نجح في تفكيك الواقع ،وتسليط الأضواء على الشواذ والمرضى النفسيين ،بطريقة جذابة تشد القاريء لمواصلة قراءة   النص ليعرف أين سيأخذ كاتبنا ميرزا