شاهين يكتب – أوراق من سلال عتيقة !

شاهين يكتب – أوراق من سلال عتيقة !

الرعد نيوز – كتب ماجد شاهين

( 1 )
في الأيّام التي انقضت ، كان هناك ” مرسال مراسيل ” في كلّ حارة أو في كلّ جهة أو في المدينة .. كان يحرس ُ مواعيد ” الغرام ” التي كان العاشق ُ يصنعها على هيئة ” مكتوب ” ، و كان ” المرسال إيّاه ” يعتني بضحكاتنا حين تفوح روائح الياسمين ، و يحزن لحزننا حين تنقطع بنا الدروب إلى عناويننا .
كان للمكاتيب رائحة ولون وبهجة و حبر ٌ و ياسمين كثير .
لكن ، و هنا يتحرك حجر الوجع ، نشف الياسمين أو يكاد .. و ضاقت الدروب أو تكاد و غاب ” المرسال ” !
هل غادر ” مرسال المراسيل ” حاراتنا لأنه لم يجد من يحمل ” مكتوبه ” إلى حيث يريد ويهوى و يرغب ويشتهي ؟
هل خذلتنا الأحوال و هربت منّا المكاتيب و اندلقت أكواب شوقنا في التراب ولم تزهر ؟
الذي كان ، كان .. ولا شيء الآن يكون .
( 2 )
باتت طاردة ً ،
أعني العتبات والأرصفة والمرايا و الكراسي الخشبيّة الصغيرة و عربات الباعة الجائلين .
كلّها غدت طاردة ً ،
أعني عيون الباعة و سحناتهم و بضاعتهم وألوان أسمالهم ورائحتهم .
كلّها غدت طاردة ً ،
لم تعد تُشبِهنا ، وما عادت مثلنا .
نهاراتنا لم تعد تتّسع لِلَهونا و لِضَحكنا و حتى لقهرنا ، وليالينا لم تعد تنفع لسمر ٍ أو تأمّل ٍ أو انتظار ٍ أو شجن ٍ .
الأوقات كلّها والمطارح ُ لم تعد تنفع لِشوق .

كلّها ، حتى وجوهنا لم تعد لنا !
( 3 )
بيلسانة وارفة ٌ و دالية خضراء تسرّ العين و شجرة ليمون تفوح منها الرائحة في الأرجاء و مصطبة واسعة تنفع لقيلولة و سهر و حكايات تُروى .
تلك كانت في دارنا العتيقة ، بمادبا ، كانت تلك الدالية تصد ّ ُ التعب َ ، فيما البيلسانة تطلّ إلى الشارع و تفرش ظلاّ ً في الرصيف ينفع لاتّقاء القيظ في آب .
تلك كانت في دارنا العتيقة ، كانت تلك الليمونة تبعث رائحتها فيطيب الهواء ويرق ّ .
تلك كانت في دارنا العتيقة ، كانت ثمّة مصطبة و ” حوش ” ينفعان لكي ينفض المتعبون تعبَهم و ينفعان لكي تفرد الجدّات والأمّهات موائد يكفي فيها طعام قليل لأفواه كثيرة .
تلك كانت حكاية حكاياتنا : أنّنا لا نزوّق وجوها أو نلوّنها أو نبدّل سحناتنا !
ولكن ،
و لكن !؟

( 4 )

بلا فاكهة !
حتى الذين دأبوا على ” تلويحة اليد ” بالمرحبا ، في أغلبهم تعبت أياديهم أو أصابها ارتخاء .
والذين دأبوا على إدهاشنا بضحك ٍ نقيّ و نكتة ٍ طازَجة ، فقدوا ذاكراتهم .
والذين كانوا يذرعون الحارات بحثا ً عن الياسمين والعنب ِ و أطراف المناديل ، تعبت أقدامهم .
والذين كانوا يصدحون بالغناء الواضح الجميل ، جفّت ألسنتهم وتاهت منهم الكلمات !
الذين كانوا يملؤون أوقاتنا بهجة ً ، غابوا وارتهنوا للتعب أو لليباس أو للموت .
فصار الرصيف فارغا ً ،
و الكرسيّ في طرف الحارةِ بات بلا صديق ٍ أو صاحب ،
والشبابيك التي كانت مشرعة ً إلى الهواء والشمس غدت معتمة !
كلّ الذين أحببناهم راحوا في الغياب أو الصمت .
ربّما ما نزال كثيرين ، ولكنّنا بلا فاكهة .

( 5 )

اليمامةُ التي هدلت و ملأت ْ صحون َ نهاراتي الأولى ، والتي كثيرا ً ما كانت تعلّمني الكلام و تغنّي … غاب صوتها بعدما دهمها وجع ٌ في الحنجرة و خفت صوتها !
والفستق الذي كنت ألتهمه ، صار يجرح حلقي و فمي !
و الشاي بت ّ ُ أكرعه بلا سكّر !
والمفردة التي كنت أمرّن الشبابيك لكي تكتبها ، صارت باهتة جرّاء ما فعله أحدهم حين سرق الكلام و رماه على حبال صفراء .
و النهار صار يعتم قبل الأوان !
..
الأشياء تبدو فاقدة لقمصانها ،
و في وقت قريب ، ربّما تفقد سراويلها ، فننكشف أكثر ممـّا نحن عليه و فيه ،
و نحترق ُ بأوهامنا !
..
ردّوا إلينا فاكهتنا ،
أو هاتوا لنا وجعا ً يكفي لغياب ٍ وحسرة !

تصفح ايضا