العين الحواتمة يكتب – العشائر الأردنية في المئوية الثانية ، من إرث التأسيس إلى هندسة التكيّف الوطني

العين الحواتمة يكتب – العشائر الأردنية في المئوية الثانية ، من إرث التأسيس إلى هندسة التكيّف الوطني


الرعد نيوز – كتب العين الباشا حسين الحواتمة.
— مع دخول الدولة الأردنية مئويتها الثانية، لا يقتصر التحدي على تحديث الاقتصاد أو تطوير الإدارة العامة، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومكوّناتها الاجتماعية التاريخية، وفي مقدمتها العشائر الأردنية، بوصفها أحد أعمدة التأسيس الوطني، وركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار والهوية.

فالعشائر الأردنية لم تكن مجرد بنية اجتماعية تقليدية، بل شكّلت تاريخيًا أحد الحوامل الأولى لفكرة التنظيم والحماية والانتماء الجمعي. ومن رحمها خرجت شبكات التضامن الأولى، كما أسهمت في مقاومة الاستعمار بمختلف أشكاله، وفي تشكيل النواة المبكرة للجيش العربي والأجهزة الأمنية والإدارية. لقد كانت العشائر جزءًا أصيلًا من سردية الدولة، لا هامشًا عليها.

كما أن العلاقة بين العشائر والعرش الهاشمي تُشكّل إحدى أكثر العلاقات رسوخًا في التجربة الأردنية؛ إذ قامت، منذ البدايات، على الشراكة السياسية والاجتماعية، وعلى إدراك متبادل بأن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق عبر تفكيك البنى الأصيلة، بل عبر دمجها في مشروع وطني جامع. لذلك، فإن ولاء العشائر للقيادة الهاشمية، وانتماءها لتراب الوطن، ليسا موضع اختبار أو نقاش، بل جزءًا من البنية الرمزية للدولة ذاتها.

غير أن المئوية الثانية تفرض مقاربة جديدة: ليس تغيير العشائر، بل تكييفها. فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة؛ سياسيًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وتكنولوجيًا، فيما تتشكل الأجيال الجديدة في بيئة مختلفة كليًا تحكمها الثورة الرقمية، والانفتاح المعرفي، وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي.

من هنا، يصبح المطلوب تحديث وظائف العشيرة، لا هدمها؛ بحيث تنتقل من إطار مغلق أو تنافسي إلى فضاء اجتماعي وثقافي أكثر مرونة، قادر على استيعاب التحولات، واحتضان الشباب، والمساهمة في حل النزاعات، وتعزيز رأس المال الاجتماعي الوطني.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية مستشارية شؤون العشائر، التي لعبت تاريخيًا دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن بين الدولة والمكوّن العشائري، وترسيخ قنوات التواصل، واحتواء الإشكالات الاجتماعية. إلا أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع دورها مؤسسيًا ومعرفيًا، عبر دعمها بأقسام بحثية متخصصة تشمل: توثيق السردية الوطنية للعشائر، والدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية، وعلم الأنساب والتاريخ الاجتماعي، إضافة إلى وحدات تُعنى بتعزيز الروابط بين العشائر ومختلف المكونات الاجتماعية، واستخراج القواسم الثقافية الجامعة.

فالحفاظ على الإرث العشائري يجب أن يُدار باعتباره مشروعًا لصون الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية، لا بوصفه أداة للتمييز أو الانغلاق.

ومن المهم التأكيد أن العشيرة، أو أي مكوّن اجتماعي آخر، لا ينبغي أن يتحول إلى فضاء منعزل أو مغلق، سواء في المدن، أو القرى، أو البادية، أو المخيمات. فالدولة الحديثة لا تُبنى عبر جزر اجتماعية متوازية، بل عبر تشابك وطني واعٍ يربط مختلف البيئات ضمن سردية جامعة ومصير مشترك.

فالمدن ليست نقيضًا للقرى، والبادية ليست هامشًا، والمخيمات ليست خارج النسيج الوطني. جميعها مكونات أسهمت في تشكيل التجربة الأردنية، وجميعها مطالبة اليوم بمزيد من التفاعل والتكامل، لا بالعزلة أو التمترس خلف هويات جزئية.

وفي هذا الإطار، يبرز دور جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، والحفاظ على التوازن بين التحديث وصون الخصوصية الاجتماعية والثقافية. كما يعكس اهتمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بالسردية الوطنية والأجيال الجديدة وعيًا استراتيجيًا بأهمية ربط الهوية بالمستقبل، وجعل التنوع جزءًا من قوة الدولة لا تحديًا لها.

كما تبقى جدلية العلاقة بين الحزب والعشيرة من أكثر المسائل حاجةً إلى نقاش مؤسسي هادئ. فالعشيرة يجب أن تبقى إطارًا اجتماعيًا وثقافيًا داعمًا للاستقرار، بينما يُشكّل الحزب أداة العمل السياسي البرامجي. والفصل الوظيفي بينهما قد يساعد في تنظيم العلاقة بين المجالين على أسس أكثر وضوحًا وتكاملًا، بما يمنع إضعاف الأحزاب أو خلق شعور بالقطيعة لدى بعض الشباب تجاه هويتهم الاجتماعية أو انخراطهم السياسي.

إن المئوية الثانية ليست مجرد انتقال زمني، بل لحظة لإعادة هندسة العلاقة بين التراث والتحديث. فالعادات والتقاليد، مثلها مثل البنى الفكرية الكبرى، تحتوي على ثوابت ومتغيرات؛ تُصان الثوابت بوصفها جوهر الهوية، وتُطوَّر المتغيرات بوصفها شرط البقاء.
هكذا فقط يمكن للعشائر الأردنية أن تبقى جزءًا حيًا من مشروع الدولة: ركيزة للاستقرار، وحاضنة للقيم، وشريكًا في صناعة المستقبل، ضمن دولة قوية، عادلة، جامعة، تتسع للجميع، وتتحرك بمصالحها العليا بوصفها كيانًا واحدًا، لا مجموع هويات متجاورة.

تصفح ايضا